السيد نعمة الله الجزائري
68
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
ولا طرق التقرب إليه ، قد سلكوا طرق التجبر والعناد ، فيبعث السلطان ذلك الوزير بريدا إلى تلك الرعايا ، وينزله عن مراتبه الجليلة لعلمه بأنه لا يسعهم خلقا وطباعا إلا هو ، وبعد أن أتى إليهم لم ينقد لرسالته إلّا أقلهم ، فيحصل له من هذا ألم عظيم وتأسف جسيم ، حيث لم يمتثلوا رسالته ليكون وجيها عند ذلك السلطان ، وقد حزن عليه السّلام لمثل هذا حزنا عظيما كاد يهلكه ، كما قال تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ، أي أتهلك نفسك على أنهم لم يقبلوا رسالتك ولم يصدقوك ، فسلاه في كثير من الآيات بقوله : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * ، وبقوله : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ، وبقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، ونظائرها من الآيات ، وعلى هذا التحقيق ينزل قوله تعالى : إنا أنزلنا إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا ، فإنه صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يكن في موضع مرتفع بحسب الحس ثم نزل عنه كما هو مقتضى هذه الصيغة ، بل المراد تنزيله من تلك المراتب العلية إلى هذه المراتب البشرية ، وكذا قوله تعالى للعقل حين خلقه : أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، على تقدير أن يراد منه هو صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فيكون الإقبال كناية عن ترقية إلى تلك المراتب العالية ، والإدبار كناية عن تنزله منها إلى هذه المراتب السافلة . « وشغلها بالنّصح لأهل دعوتك » أي الذين دعوتهم إلى جنتك ، بقولك واللّه يدعو إلى دار السلام ، أي كل أحد ، وقيل إضافة الدعوة إليه سبحانه إما باعتبار انتسابها إليه تعالى باللام التخصيصية التعليلية ، أي أهل الدعوة إليه سبحانه بمحض ذاته والقرب منه تعالى فتكون إضافته مقدرة باللام المفيدة للاختصاص والارتباط الخاص ، ولهذا صرح المحققون من النحاة بأن الإضافة اللامية تشمل الإضافة الظرفية أيضا كضرب اليوم ، أو باعتبار إضافة أهل الدعوة حقيقة لا نفس الدعوة إليه سبحانه كما قيل في مثل هذا حب رمانك ، انتهى . ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وأشد منه تكلفا ما قيل في الفرق بين هذه الفقرة وما قبلها إن المراد بتبليغ الرسالة تبليغ مطلق الرسالة منه سبحانه ، من دون تبيين الأحكام التي تتعلق بأصول الدين وفروعه ، فإن في هذا التبليغ مع فرط تهالك المعاندين في جحده ورفعه إتعابا عظيما لنفسه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، ويراد بالدعاء إلى الملة تبليغ الأحكام الأصولية ، كما يشعر به لفظ الملة ، وبالنصح لأهل الدعوة تبليغ الأحكام المفصلة الفرعية الشرعية كما يشعر لفظ النصح ، انتهى .